أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
205
العقد الفريد
ومؤامرا تستشيرونه ، فكيف تنفعكم تجربة ، أو تعظكم وقعة ، أو يحجزكم إسلام ، أو يردكم إيمان ؟ ألستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر ؛ وسعيتم بالغدر ، واستجمعتم للكفر ، وظننتم أن اللّه تعالى يخذل دينه وخلافته ، وأنا أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذا ؛ وتنهزمون سراعا ؛ ثم يوم الزاوية « 1 » ؛ وما يوم الزاوية ؟ بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة اللّه منكم ونكوص وليّكم عنكم ؛ إذ ولّيتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها ، النوازع إلى أعطانها ؛ لا يسأل المرء منكم عن أخيه ، ولا يلوي الشيخ على بنيه ، حتى عضكم السلاح ، وقصمتكم الرماح ، ثم يوم دير الجماجم : وما دير الجماجم ؟ بها كانت المعارك والملاحم ، بضرب يزيل الهام عن مقيله « 2 » ، ويذهل الخليل عن خليله . يأهل العراق والكفرات بعد الفجرات ؛ والغدرات بعد الخترات ، والنّزوة بعد النزوات ، إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم ، وإن أمنتم أرجفتم ، وإن خفتم نافقتم ؛ لا تذكرون حسنة ، ولا تشكرون نعمة ! يأهل العراق : هل استخفّكم ناكث ، أو استغواكم غاو ، أو استفزكم عاص أو استنصركم ظالم ، أو استعضدكم خالع - إلا وثقتموه وآويتموه وعزّرتموه ونصرتموه ورضيتموه . يأهل العراق ؛ هل شغب شاغب ، أو نعب ناعب ، أو نعق ناعق ، أو زفر زافر ، إلا كنتم أتباعه وأنصاره . يأهل العراق ، ألم تنهكم المواعظ ؟ ألم تزجركم الوقائع ؟ ثم التفت إلى أهل الشام فقال : يأهل الشام ، إنما أنا لكم كالظليم « 3 » الذابّ عن فراخه ؛ ينفي عنها المدر ، ويباعد عنها الحجر ويكنّها من المطر ، ويحميها من الضباب ؛ ويحرسها من الذئاب ؛ يأهل الشام ، أنتم الجنّة والرداء ، وأنتم العدة والحذاء .
--> ( 1 ) الزاوية : موضع بالبصرة . ( 2 ) مقيله : موضعه . ( 3 ) الظليم : ذكر النعام .